Home

فقه الشريعة علم مهم جداً، و هو حمل ثقيل، و مسؤولية كبيرة تقع على عاتق من يتخصص في بحوره، حيث أنه يحاسب عليه أمام الله. اكتسب هذا الشق من علوم الله هذه الأهمية لإرتباطه الوثيق بحياة المسلم في شتى ممارساته اليومية. لذلك وجبت مراعاة حياة المسلم في أي إفتاء، لكي لا تتسبب الفتوى بتصعيب حياته، و بالتالي يقع العالم في موقع يحاسب عليه أمام ربه. ربما توضح هذه المقدمة المقصد وراء “الله أعلم”!

في الوقت الحاضر نعيش حالة من الفوضى، بل غوغائية مطلقة في شتى المجالات، و أهمها فقه التشريع. اهتم من سبقونا بهذا العلم، و حرصوا على حصر الإفتاء في جهة مشرّعة وحيدة، درءاً للمفاسد التي قد تنتج عن استهوان الناس بالفتوى، و يضحي كل من قرأ صفحتين من مجلّدٍ لأحد العلماء الأفاضل “مفتياً”! لذلك أنشأوا الجامعات و الكليات و المعاهد العُليا لتعليمه للطلاب على قواعده و أصوله، ليس للإفتاء فقط، بل لأن القضاء كان يُستمد منه. الواضح و الجليّ أن حرصهم كان في محله، حيث أن الحاصل في زمننا هو ما كانوا يخافون من وقوعه. ها نحن نرى كل من هب و دب يُفتي بما لا يفقه على الفضائيات! بل إن بعضهم يتشدّق ملء فمه عن حكم الإختلاط و الخلوة، و هو في صحبة المذيعة المتبرجة، مداعباً لحيته (الغير غانمة)!

كانت الفتوى تصدر من “العلماء” الذين عُرِفَ عنهم مصدر علمهم، و كانت سيرهم النظيفة الشريفة معروفة في بلاد المسلمين. صار العلماء في زمننا قلائل، و تضاعف عدد من يطلقون على نفسهم لقب “شيخ”، و لا نعلم عن سيرتهم شيئاً! الأدهى و الأمرّ هو إصدارهم لفتاوى من شأنها تعقيد حياة المسلمين، و تصعيب أمورهم اليومية، و في بعض الأحيان تسبب لهم خسائر مادية و معنوية كبيرة. كمثال، لم يرد في فقه الشريعة ما يحرّم على المرأة ركوب الدابّة، كما لم أقرأ شيئاً عن حُرمة بحث المرأة عن رزق يعيلها، و لم ترى عيناي ما يُحرّم قضاء المرأة لـحوائجها مهما كانت. سأتوسع في كل نقطة الواحدة تلو الأخرى لتوضيح الصورة.

السيارة تعامل معاملة الدابة، فهي تعيننا على التنقل، و هي ضرورة “ملحّة” للكثير من الأخوات اللاتي يعملن لكي يتنقلن بها. عدم مقدرتهن على قيادة هذا النوع من الدواب (و الدابة هي كل ما يدب على الأرض) تسبب في ضرر واسع عليهن و على أولياء أمورهن. من الأضرار التي لحقت بالمسلمين خسارة المال على السائق ذو الراتب الباهظ، و أخطاء القيادة الكثيرة المتسببة في حوادث أو أعطال يترتب عليها تكاليف إصلاح، ناهيك عن وقوع الأخوات في الخلوة غير الشرعية عندما يركبن السيارة معه لوحدهن، مما تسبب في حوادث يقشعر لها البدن، كحادثة الإغتصاب الأخيرة في مكة المكرمة. كل هذه الأضرار غيض من فيض، و لا يزال هناك من يُحرِّم قيادة المرأة لدابة هذا الزمان، و هو ما لم ينزل الله به من سلطان. الطامة الكُبرى تكمن في خلط العادات و التقاليد في هذه المسألة، و تقديم هذه العادات على المصلحة العامة للمسلمين و عوائلهم.

من ناحية أخرى، هناك هرطقات تدور بين الفينة و الأخرى عن عمل المرأة و هل هو جائز في بعض المجالات، مثل عملها في وظيفة كاشير، أو في مجال ملابس النساء الداخلية. الأولى حُرّمت لأنها فيها اختلاط! لا أعلم ما الذي يُخيف القوم حتى يصبحوا مسكونين بهاجس الإختلاط. في سابق الأوان، كانت النساء تبعن و تتاجرن بالبضائع، مثل أُمنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فما هو المانع في استرزاق هؤلاء النسوة المغلوبات على أمرهن. لماذا تخرج الفتوى من غير العلماء بتحريم ما أحل الله من كسب المال المشروع و الشريف؟ و ما هو الحل البديل المقترح؟ هذا بالنسبة لوظيفة الكاشير. أما بالنسبة لمجال الملابس الداخلية فلا أعلم مدى أحقية من حشر أنفه في هذا الموضوع الخاص جداً، ولا أعلم ما دخل فقه الشريعة فيه، و الذي لا يمكن معارضة عمل المرأة فيه لما فيه من درء للمفاسد و حفاظ على كرامة و خصوصية حرمات المسلمين.

فقه الشريعة هو أداة جداً مهمة لا تتواجد في الأديان الأخرى، فهي ما يحقق للإسلام جماله و روعته بتمكينه من مواكبة التغيرات التي تطرأ و تستجد على مر الزمان. بالأمس عارض البعض تعليم المرأة، و نسوا أنه أكبر خير، حيث أنها تربي الأجيال. ثم بعد ذلك حرّموا التصوير، و ها هي صورهم تمتليء بها الصحف و المجلات و الوسائط الإجتماعية. كل من يرى تخبطات الفتاوى في السنين السابقة يدرك أن هناك فوضى و عدم تنظيم في هذا العِلم المهم، لذلك يجب تقنين مصادر الفتوى و حصرها على العلماء المتمكنين من هذا العلم، الملمين و المتفهمين لمتغيرات الزمن و حاجة المسلمين من هذه المتغيرات في حدود شرع الله. استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤول بنا بأن تصبح الفتاوى أداة لجلب المفاسد و فتح باب الذرائع، و هو ما لا يحمد عقباه!

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s